الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

140

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الترغيب في المصالحة عن الدماء ، وينبغي ألا نذهب بأفهام الناظر طرائق قددا ، فالقول الفصل أن نقول : إن ما صدق من في قوله : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ هو ولي المقتول وإن المراد بأخيه هو القاتل وصفا بأنه أخ تذكيرا بأخوة الإسلام وترقيقا لنفس ولي المقتول ؛ لأنه إذا اعتبر القاتل أخا له كان من المروءة ألا يرضى بالقود منه ؛ لأنه كمن رضي بقتل أخيه ، ولقد قال بعض العرب : قتل أخوه ابنا له عمدا فقدم إليه ليقتاد منه فألقى السيف وقال : أقول للنفس تأساء وتعزية * إحدى يديّ أصابتني ولم ترد كلاهما خلف من فقد صاحبه * هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي وما صدق شَيْءٌ هو عرض الصلح ، ولفظ شيء اسم متوغل في التنكير دال على نوع ما يصلح له سياق الكلام ، وقد تقدم حسن موقع كلمة شيء عند قوله تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ [ البقرة : 155 ] . ومعنى عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ أنه أعطى العفو أي الميسور على القاتل من عوض الصلح . ومن معاني العفو أنه الميسور من المال الذي لا يجحف بباذله وقد فسر به العفو من قوله تعالى : خُذِ الْعَفْوَ [ الأعراف : 199 ] ، وإيثار هذا الفعل لأنه يؤذن بمراعاة التيسير والسماحة وهي من خلق الإسلام فهذا تأكيد للترغيب الذي دل عليه قوله : مِنْ أَخِيهِ ، والتعبير عن عوض الدم بشيء لأن العوض يختلف فقد يعرض على ولي الدم مال من ذهب أو فضة وقد يعرض عليه إبل أو عروض أو مقاصة دماء بين الحيين ؛ إذ ليس العوض في قتل العمد معينا كما هو في دية قتل الخطأ . ( واتّباع ) و ( أداء ) مصدران وقعا عوضا عن فعلين والتقدير : فليتبع اتباعا وليؤد أداء فعدل عن أن ينصب على المفعولية المطلقة إلى الرفع لإفادة معنى الثبات والتحقيق الحاصل بالجملة الاسمية كما عدل إلى الرفع في قوله تعالى : قالَ سَلامٌ * [ هود : 69 ] بعد قوله : قالُوا سَلاماً * [ هود : 69 ] ، وقد تقدم تطور المصدر الذي أصله مفعول مطلق إلى مصيره مرفوعا عند قوله تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ [ الفاتحة : 2 ] ، فنظم الكلام : فاتباع حاصل ممن عفي له من أخيه شيء وأداء حاصل من أخيه إليه ، وفي هذا تحريض لمن عفي له على أن يقبل ما عفي له وتحريض لأخيه على أداء ما بذله بإحسان . والاتباع مستعمل في القبول والرضا ، أي فليرض بما عفي له كقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع » . والضمير المقدر في ( اتباع ) عائد إلى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ والضمير المقدر في أداء عائد